ابن أبي الحديد

182

شرح نهج البلاغة

وروي أن رجلا صحب الحسن في طريق ، فلما فارقه قال : أوصني رحمك الله ! قال : إن استطعت أن تعرف ولا تعرف ، وتمشي ولا يمشى إليك ، وتسأل ولا تسأل ، فافعل . وخرج أيوب السختياني في سفر ، فشيعه قوم ، فقال : لولا أني أعلم أن الله يعلم من قلبي أني لهذا كاره ، لخشيت المقت من الله . وعوتب أيوب على تطويل قميصه ، فقال : إن الشهرة كانت فيما مضى في طوله ، وهي اليوم في قصره . وقال بعضهم : كنت مع أبي قلابة ، إذ دخل رجل عليه كساء ، فقال : إياكم وهذا الحمار الناهق - يشير به إلى طالب شهرة . وقال رجل لبشر بن الحارث : أوصني ، فقال : أخمل ذكرك ، وطيب مطعمك . وكان حوشب يبكي ويقول : بلغ اسمي المسجد الجامع . وقال بشر : ما أعرف رجلا أحب أن يعرف إلا ذهب دينه وافتضح . وقال أيضا : لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس . فهذه الآثار قليل مما ورد عن الصالحين رحمهم الله في ذم الرياء وكون الشهرة طريقا إلى الفتنة . ( فصل في مدح الخمول والجنوح إلى العزلة ) وقد صرح أمير المؤمنين عليه السلام في مدح الأبرار - وهم القسم الخامس - بمدح الخمول ، فقال : " قد أخملتهم التقية " ، يعني الخوف . وقد ورد في الاخبار والآثار شئ كثير في مدح الخمول . قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له ،